ابن حزم
113
رسائل ابن حزم الأندلسي
ولا تساعدني عيني ، فقلت مجيباً لأبي بكر : [ من الطويل ] وإن امرءاً لم يفن حسن اصطباره . . . عليك وقد فارقته لجليد وفي المذهب الذي عليه الناس أٌول من قصيدة قلتها قبل بلوغ الحلم ، أولها : [ من الطويل ] دليل الأسى نار على القلب تلفح . . . ودمع على الخدين يهمي ويسفح إذا كتم المشغوف سر ضلوعه . . . فإن دموع العين تبدي وتفضح إذا ما جفون العين سالت شؤونها . . . ففي القلب داء للغرام مبرح ويعرض في الحب سوء الظن واتهام كل كلمة من أحدهما وتوجيهها إلى غير وجهها ، وهذا أصل العتاب بين المحبين . وإني لأعلم من كان أحسن الناس ظناً ، وأوسعهم نفساً ، وأكثرهم صبراً ، وأشدهم احتمالاً ، وأرحبهم صدراً ، ثم لا يحتمل ممن يحب شيئاً ، ولا يقع له معه أيسر مخالفة حتى يبدي من التعديد فنوناً ، ومن سوء الظن وجوهاً . وفي ذلك أقول شعراً منه : [ من المنسرح ] أسيء ظني بكل محتقر . . . ( 1 ) تأتي به ، والحقير من حقره كي لا يرى أصل هجرة وقلى . . . فالنار في بدء أمرها شرره وأصل عظم الأمور أهونها . . . ومن صغير النوى ترى شجره وترى المحب إذا لم يثق بنقاء طوية محبوبه له ، كثير التحفظ مما لم يكن يتحفظ منه قبل ذلك ، مثقفاً لكلامه ، مزيناً لحركاته ، ومرامي طرفه ، ولا سيما إن دهي بمتجن وبلي بمعربد . ومن آياته مراعاة المحب لمحبوبه ، وحفظه لكل ما يقع منه ، وبحثه عن أخباره حتى لا يسقط عنه دقيقه ولا جليله ، وتبعه لحركاته . ولعمري لقد ترى البليد يصير في هذه الحالة ذكياً ، والغافل فطناً .
--> ( 1 ) قافية هذه الأبيات تنتهي بهاء ساكنة - ولابد - على خلاف ما جاء في سائر الطبعات .